علامة منظمة الصحة العالمية علامة  منظمة الأغذية والزراعة

الصفحة التالية المنتدى العالمي للمسؤولين عن سلامة الأغذية
المرفق الثاني :
البيانان الافتتاحيان للسيدين وزير الصحة ووزير الزراعة للمملكة المغربية
بيان المحتويات
الصفحة السابقة

السيد أحمد صبيحى

وزير الفلاحة والتنمية القروية والمياه والغابات للمملكة المغربية

السيد الوزير،

السيد الوالي،

السادة العمال،

السيد المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة،

السيد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية،

السادة الممثلون الجهويون لهاتين المنظمتين،

السادة السفراء، السادة الخبراء، حضرات السيدات والسادة،

أود في البداية أن أرحب، باسمي الخاص ونيابة عن حكومة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بمندوبى البلدان الأعضاء في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية وبخبراء هاتين المنظمتين، وكذا بممثلي كل المنظمات الأخرى، الذين حرصوا على المشاركة في أشغال هذا التظاهرية العلمية. فهذا اللقاء، وكما تعلمون، يسعى إلى تبادل الخبرات وبحث فرص التعاون الكفيلة بتحسين فعالية وشفافية نظم تقييم وتدبير السلامة الصحية للأغذية بكل دول المعمورة.

وإن المملكة المغربية لفخـورة بشرف استضافــة هذا المنتدى الدولي بمدينــة مراكش، تلكم المدينــة التي شهدت ميلاد المنظمة العالمية للتجارة فى شهر أبريل/نيسان من سنة 1994. ونجد في هذه الاستضافة تجسيدا للارادة السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، والتي عبر عنها عند استقباله للسيد جاك ضيوف المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة خلال زيارته لبلادنا السنة المنصرمة. وقد أبى جلالته إلا أن يشمل هذا المنتدى برعايته السامية لما يوليه جلالته من عناية خاصة لهذا المجال.

حضرات السيدات والسادة،

لماذا يا ترى يكتسي هذا المنتدى أهمية بالغة في نظرنا؟ بداية، لأن السلامة الصحية للأغذية أضحت، في ظل عولمة الاقتصاد وتحرير المبادلات وما يرتبط بهما من تكثيف للإنتاج وانتشار واسع للتكنولوجيا، تكتسي أولوية قصوى ضمن استراتيجيات الدول والمنظمات الدولية كمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والمنظمة العالمية للتجارة وغيرها.

وهكذا، فمن واجبنا في لقاء كهذا أن نستحضر روح إعلان روما المنبثق عن مؤتمر القمة العالمي للأغذية لسنة 1996. ذلكم المؤتمر الذي شكل مناسبة أكد فيها قادة العالم على حق كل الشعوب في غذاء كاف وسليم.

كما أن فكرة عقد هذه التظاهرة الدولية تبلورت خلال مؤتمر القمة للبلدان الصناعية الثمانية الذي انعقد في أوكيناوا سنة 1999. هذه المجموعة التي شددت، خلال مؤتمرها بمدينة جنوه الإيطالية صيف 2001، على ضرورة وضع الإشكالية المتعلقة بسلامة الأغذية ضمن القضايا الملحة الواجب تدارسها على الصعيد الدولي بهدف وضع إطار حقيقي لتدبير الأزمات الصحية يرتكز على معطيات عملية.

وبالفعل، فإن الأزمات المرتبطة بالسلامة الصحية التي ظهرت في السنين الأخيرة، مثل "الاعتلال المخي الإسفنجي لدى الأبقار" أو وجود نسب كبيرة من "الديوكسين" في المواد الغذائية ذات أصل حيواني، والتي كانت لها انعكاسات اقتصادية واجتماعية على جل بلدان العالم، متقدمة كانت أو نامية، مكنت من الوقوف على جسامة المجهودات الواجب بذلها حتى نستجيب لتطلعات المستهلك في مجال مواجهة الأخطار الصحية.

وإن هذا المنتدى يشكل في نظرنا أرضية ملائمة للمسؤولين عن سلامة الأغذية بأكثر من 150 بلدا، للتعبير الصريح عن انشغالاتهم ولتباد لخبراتهم وتجاربهم في هذا المجال.

حضرات السيدات والسادة،

تكمن أهمية هذا المنتدى تكمن كذلك في نوعية المواضيع المدرجة في جدول أعماله. فهذه المواضيع هي في نفس الوقت هامة وشائكة لكونها تقارن بين مناهج تختلف باختلاف البلدان وثقافاتها ووسائلها، ولكنها تصب في اتجاه واحد ألا وهو ضمان صحة المستهلك.

ومن بين هذه المواضيع، أود التركيز بشكل خاص على مسألة "تدعيم القدرات" التي تمثل، في نظرنا، إطارا عمليا لتحفيز التعاون الدولي على مواكبة الدول السائرة في طريق النمو في عملها الرامي إلى وضع نظم خاصة بسلامة الأغذية.

وبالفعل، فإذا كانت الدول المتقدمة قد قطعت أشواطا هامة في مجال سلامة الأغذية، فإن معظم الدول النامية تبقى بعيدة عن الحد الأدنى بسبب ضعف الإمكانات المادية وقلة الخبرة في هذا الميدان.

ففي الدول المتقدمة، نمت العولمة وتحرير الأسواق في محيط يتميز بتصنيع المكثف للمنتوجات الزراعية والحيوانية. كما يتميز هذا المحيط بتزايد متطلبات المستهلكين، وبقوانين أكثر إكراها وبتقنيات مراقبة أكثر تطورا. وكلها عوامل تجعل من ولوج صادرات الدول النامية إلى أسواق هذه البلدان عملا معقد وصعبا.

أما البلدان النامية، فإن العولمة وتحرير المبادلات يتعايشان مع نظام إنتاج غير متطور يتسم بمحدودية التسويق، وبأسواق تطغى عليها تجارة غير منظمة. كما أن جل المواطنين بهذه الدول منشغلون بحاجيات عيشهم الأولية، في خضم أنظمة مراقبة تشكو من ضعف الامكانات المادية والبشرية وتجعل من أسواق هذه البلدان وجهة مفضلة لمنتوجات قد تكون خطيرة على صحة وسلامة مواطنيها. وإن هذه الإكراهات الهيكلية، المقرونة بالتخفيض في الرسوم الجمركية، لمن شأنها أن تؤدى إلى اختلالات على مستوى المبادلات التجارية لصالح الدول المتقدمة.

ومما سبق يتضح الدور الحاسم للمجتمع الدولي بكافة مكوناته في وضع إطار تضامني يمكن سكان المعمور من الحصول على مواد غذائية كافية وسليمة، وكذا الدور المركزي للمنظمات الدولية المعنية، خاصة منها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، في التقليص من الفوارق بين الدول فيما يتصل بقدرات أنظمة المراقبة الصحية والصحية النباتية. ونعتقد في هذا السياق أن إحداث صندوق دولي يتوفر على الموارد الكافية أصبح ضروريا لتمويل برامج للتأثير والتكوين والتأهيل على مستوى الدول النامية. وفي نفس الوقت، نعتقد أن دور كل من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، أصبح مركزيا في دعم إنجاز دراسات تشخيصية واستشرافية. وكذا المساهمة في إعداد مخططات عمل تتلاءم وحاجيات هذه الدول. كما يجب التركيز على ضرورة الإشراف الفعلي والفعال للدول النامية في وضع المعايير والمقاييس المرجعية الدولية كالمرجع الدولي الصحي (Codex Alimentarius) حتى تتمكن من الدفاع عن مصالحها في إطار يضمن تكافؤ الفرص على مستوى المبادلات التجارية. وهكذا، وبحمايته لمصالح جميع الدول عبر العالم سيكتسي القانون الدولي مشروعية لا ينازع فيها أحد.

حضرات السيدات والسادة،

إن المغرب وهو يدرك تمام الإدراك أهمية الأغذية بالنسبة لصحة المستهلك المغربي وكذا على مستوى سمعة مواده الغذائية الموجهة للتصدير، شرع في إدخال عدة إصلاحات عميقة على نظامه الوطني للسلامة الصحية.

ففي هذا الإطار، تم إنشاء شبكة من المختبرات تغطى مجموع التراب الوطني وتلبي معظم الحاجيات فيما يخص التحاليل الضرورية، إضافة إلى وضع برنامج تأهيل خاص مكن من توفير عدد هام من الكفاءات البشرية في الميدان. وعلى مستوى نقط الحدود، تم إحداث شبكة موحدة مكلفة بالمراقبة الصحية. كما أعطيت الانطلاقة لبرنامج واسع النطاق يرمي إلى إرساء قواعد المراقبة الذاتية على مستوى وحدات الإنتاج تعتمد على تقنيات حديثة مثل "تقنية نقط المراقبة الحرجة في تقييم المخاطر" "وتقنية الأساليب الجيدة للإنتاج".

وبدعم من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، قمنا بعملية تنقيح وتحسين للقانون الأساسي المتعلق بزجر الغش. ونحن الآن بصدد خلق وكالة محايدة للتقييم العلمي للمخاطر الصحية للمواد الغذائية ودراسة إصلاح الهياكل المكلفة بتدبير هذه المخاطر.

وموازاة مع كل هذا، حرصنا على إدراج عملية تعريف وتحديد مسار الأغذية ضمن أولوياتنا في هذا الميدان. كما نسعى إلى تأسيس تمييز واضح بين عمليات تقييم الأخطار وعمليات تدبيرها حتى نضمن للمراقبة أقصى مستوى من الشفافية والاستقلالية عن السلطات العمومية وكذا المنتجين الصناعيين وغير الصناعيين، وعلى المؤسسات المكلفة بالتقييم وتلكم التي تسهر على تدبير الأخطار أن تنسق عملها لتأمين مستوى عال للسلامة الغذائية. وللوصول إلى هذا الهدف، فإننا لنرحب بكل شكل من أشكال التعاون. ثانيا كان أم متعدد الأطراف، كفيل بتحقيق عمل تآزري يمكن من ضمان سلامة صحية أفضل للأغذية على الصعيدين الجوي والدولي.

حضرات السيدات والسادة،

لا يخامرنا أدنى شك، بالنظر أهمية ونوعية المشاركة في هذا المنتدى، بأن أشغاله ستفضي إلى نتائج وتوصيات عملية من شأنها أن تساهم في بلورة توجهات ومخططات عمل كفيلة بتوفير الحماية والوقاية الضروريتين لسكان العالم.

واسمحوا لي، في ختام كلمتي هذه، أن أجدد الشكر لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية على اختيارهما المملكة المغربية لاحتضان المنتدى العالمي الأول للمسؤولين علي السلامة الصحية للأغذية. ولا يفوتني كذلك أن أتمنى لجميع المشاركين مقاما طيبا بين ظهرانينا. راجيا للقائنا هذا كامل النجاح والتوفيق.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

خطاب السيد التهامي الخياري
وزير الصحة

المملكة المغربية

السادة ممثلو منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية،

السيدات والسادة السفراء،

أيتها السيدات، أيها السادة،

أود، في البداية، أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية لاختيارهما المغرب لاحتضان هذه الظاهرة الكبرى، وفى نفس الوقت أتمنى لمجموع المشاركين مقاما طيبا بين ظهرانينا.

أيتها السيدات، أيها السادة،

بفضل هذه المبادرة الجديدة، تقوى مدينة مراكش من موقعها كعاصمة للقاءات والمؤتمرات وتدعم سمعتها الدولية كقضاء للدورات الكبرى. فقط شهدت هذه المدينة ميلاد المنظمة العالمية للتجارة سنة 1994. كما أن دول العالم اتفقوا مؤخرا يرحبا بها على الاجراءات الواجب اتخاذها من أجل محاربة التلوث في إطار المؤتمر السابع حول المتاح.

لقد عرفت مراكش، على الدوام، بجانب طبيعتها السياحية والتراثية وحفاوة ضيافتها العريقة وثق تاريخها، عرفت أيضا بكونها مجالا يغرب بالاجتماع والتلاقى ويشع على التقارب بين الناس. ولعل ذلك جزء من المزايا التي تجعل من هذه المدينة قبلة لمثل هذا اللقاء ويجعلها بالتالي عاصمة عالمية للمتلقيات الكبرى، بل ان ذلك ما يؤشر على كل مقومات نجاح ملتقانا هذا الذي نعلق عليه الآمال في أن تتوج أعماله بتوجهات واقتراحات كفيلة بأن تسهم في الواقع من جودة الحياة البشرية.

أيتها السيدات، أيها السادة،

مع الثورة التكنولوجية الكبرى التي نسعد اليوم بمعايشتها، فان أفكارنا تبقى مشوشة أحيانا بقضايا وتساؤلات كبرى. تساؤلات لها علاقة بهذه التحولات والقفزات النوعية التي نلحظها يوميا والتي تتم في مجتمعاتنا بوتيرة هائلة غير مسبوقة، تساؤلات أيضا حول قدرتنا كبشر على هضم واستيعاب كل ما أصبح العقل البشرى قادرا على إنتاجه كأفكار جديدة وتكنولوجيا مستجدة. وتساؤلات حول قدرتنا على تصريف التغيرات السلوكية والعقليات وأنماط العيش وبالأخص القدرة على التكفل بالطموحات الجديدة التي أفرزها التطور.

إن الموضوع الذي هو محور لقائكم اليوم ينتمي إلى خانة تلك التساؤلات التي تستفز أذهاننا. ولعل الطريقة التي تتناوله بها اليوم تبقى مغايرة للتصور الذي كنا نحمله منذ مدة قريبة. إن الأحداث التي استجدت مؤخرا والحكم الذي اتخذته معالجتها إعلاميا وسياسيا لم يكن لها أن تحمل نفس الوقع لو أنها حدثت قبل عشرين سنة أو عشر سنوات فقط. فنتيجة تنامي حاجيات سكان العالم وتصاعد ثقافة حقوقهم وإصرارهم على الدفاع عنها عبر أنظمة لم تعد تتحدد فيها أدوات الضغط فقط في المؤسسات التمثيلية بل اتسعت لتضامن عالم الإعلام وأنشطة المجتمع المدني ووسائل أخرى، كل ذلك جر السياسي إلى الخضوع إلى ضغوطات كبرى تفرضها عليه مسؤولياته والمهمة التي أنيطت بها من أجل الاستجابة لتلك الحاجيات للقرارات الكبرى.

وتبقى طبيعة الأجوبة المقدمة للتساؤلات والمطالب التى يعبر عنه الموطن مرهونة بالقدرة على محاصرة المشاكل من أجل تحديد حجمها الحقيقي واقتراح الحلول الملائمة.

أيتها السيدات، أيها السادة،

إن الموضوع الذي يجمعكم اليوم، أيتها السيدات والسادة، يعكس بشكل جيد هذه الطرفية. ولنأخذ، في هذا الباب مثال مرض جنون البقر الذي غطى على الأحداث واستلزم ترسانة من الإجراءات المضاعفة على المستوى الدولي من دون أن يبرز علميا أي برهان يمكن أن يؤدى إلى اقتناع حقيقي بجدوى كل تلك الإجراءات. لقد برز مفهوم جديد تم إدخاله ضمن قاموسنا ويتعلق بمفهوم الإجراءات الاحترازية مع ما جر ذلك من إجراءات متخذة باسمه. ففي غياب تعريف دقيق لهذا المفهوم، تم إعطاء الصلاحية إلى تطبيقه من دون أن تبصر، بل لقد تم ذلك في كثير من الأحيان بنوع من المبالغة.

ولعل المثال الأكثر إثارة هو ذلك القرار بسحب الخيط المستعمل في العمليات الجراحية المستخلص من البقر بمبرر وجود احتمال مخاطر يمكن وقوعها على المدى البعيد. ان هذا القرار قد تم اتخاذه في جزء من العالم وتم التعويض بخيط اصطناعي ذي تكلفة مالية أكبر طبعا.

ولقد اضطررنا إلى عملية سحب الخيط الحيواني مع تحمل كل التبعات والمخاطر إلى يمكن تصورها، وكان التساؤل الذي طرح هو هل بامكاننا المغامرة مع كل التبعات الحقيقية وذلك من أجل تفادى مخاطر محتملة فقط ان لم أقل احتمالات ذاتية. إن تبنى مثل هذه الإجراءات لها، من دون شك، مترتبات مالية أيضا ضغطة على ميزانيات كل دولة، ولن أخفيكم سرا إذا قلت إنه بالنسبة لنا كل أجراء من هذا النوع يكون على حساب الاستجابة لحاجيات وبرامج أخرى، مما يعيق مسار تطورنا.

هذا في الوقت الذي يبقى فيه مصدر تعقد الموضوعان ذاته كامنا في التفاعل والتعارض بين مصالح اقتصادية وانشغالات وهواجس ذات بعد إنساني. وإذا كنا نتفهم ونشجع خلق الثروة، فإننا لا يمكن أن نقبل أن يتم هذا الخلق على حساب المصلحة العليا للإنسانية أو تصبح حياة الإنسان موضوع مزايدة أو سلاحا لفرض الواقع.

انه من الأكيد أن مسار الاندماج الاقتصادي العالمي يخلق مجموعة من الامتيازات لصالح الأفراد والجماعات والمجتمعات، لكنه بموازاة ذلك سيرتفع حجم المبادلات بين الدول بشكل هائل، وسترتفع في نفس الوقت التبعية الغذائية على المستوى العالمي.

ويمكن القول إن أهمية موضوع ملتقاكم يعكسها كونه سيتطرق لمجموعة من المشاكل والقضايا المرتبطة بالتغيرات والتحولات التي تطال مجتمعاتنا اليوم والتي تستوجب منا بحثا دائما عن المسالك والأساليب الجديدة لإيجاد الحلول المناسبة والبيئة الكفيلة بضمان أكبر قدر من الأمن الصحي الغذائي لسكاننا.

لقد عرفت العشر سنوات الأخيرة، على المستوى العالمي، تفاقم المشاكل المرتبطة بالأمراض ذات الأصل الغذائي. وتبقى المترتبان النفسية والاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن ذلك من الخطورة بمكان وتتجاوز أحيانا الفرد والعائلة والجماعة لتتخذ أبعادا مجتمعية أو دولية. وليس هناك أنية دولة في منأى عن هذه الإشكالية، لكن الدول النامية تبقى الأكثر تضررا بحكم كونها لا تمتلك الموارد والآليات التكنولوجية والقانونية واللوجيستيكية الكافية والضرورية لمواجهة تلك المشاكل. وتزداد هذه الأضرار تفاقما بفعل قابلية حدودها لتسرب ودخول السلع والمواد الغذائية تحت ضغط الاستجابة لحاجيات سكانها.

وبالرغم من أن عدد حالات مرض جنوب البقر المعلن عنها من طرف الدول النامية يبقى غير ذي دلالة، فان هذا الوباء الذي عاشته أوروبا قد وصل إلى تلك الدول بطريقة غبر مباشرة، وكان أغلبها مرغما على تدمير كمية هامة من المواد والمشتقات ذات الأصل الحيواني، كما كان مضطرا إلى استمال المواد الاصطناعية المكلفة كبديل لذلك.

أيتها السيدات، أيها السادة،

إن الأوبئة المرتبطة بأصول غذائية والتي وسمت نهاية القرن الماضي قد تم التمكن من السيطرة عليها وكانت المترتبات المباشرة الناجمة عنها جد مهمة سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي، غير أن افرازاتها البعدية تبقى غير واضحة ومن الصعب تقييمها، لذلك بات من الضروري على الاستراتيجيات في مجال الأمن الصحي للمواد الغذائية أن ترتكز على إجراءات مندمجة ومستديمة. وفى هذا الباب ينبغي للجهود المبذولة من طرف مختلف المتدلين، ضمن هذا المجال، أن تكون منسقة ومتضافرة سواء على المستوى الوطني أو الدولي. وأغتنم هذه الفرصة لتثمين عمل جمعيات المستهلكين التي لعبت دورا أساسيا في تحسين الأمن الصحي الغذائي.

إن ملتقاكم يشكل مقاربة ملائمة من أجل تبادل المعلومات ومناقشة المشاكل المرتبطة بالسلامة الغذائية وتحديد مكامن الخيل وأيضا لوضع الاستراتيجيات. إن المرتجى من هذا اللقاء هو الدعوة إلى أن يُعطى البعد العلمي لقضية السلامة الصحية للمواد الغذائية، وذلك أمر أساسي وجوهري، حتى يمكن كل إجراء مُتخذ في هذا الباب منطقيا ورصينا وواقعيا وحتى لا يستثمر الموضوع كسلاح يبتعد عن الهاجس العلمي.

أيتها السيدات، أيها السادة،

إن المطلوب من العلماء أن يوضحوا المشكل بشكل جلي، وألا يتركوا مجالا للشك حتى تتمكن كل دولة، وخاصة الدول النامية التي لا تمتلك في ميزانياتها ما يسمح بإهدار الطاقات القليلة، حتى تتمكن تلك الدول من اتخاذ الإجراءات وصرف الاعتمادات التي تستوجبها فعلا الضرورة. ومن جهة أخرى حتى يكون اتخاذ أي إجراء في منأى عن الضغط من الخارج وخاصة من الدول المتقدمة ضمن التوازنات الجديدة ومترتبات العولمة.

إن مقاربة مرتكزة على تدبير المخاطر في مجال سلامة المواد الغذائية تتطلب تحسينا أكبر لنظام التتبع والإشعار بالأمراض ذات الأصل الغذائي وتأهيل البنيات التحتية الوطنية المرتبطة بالتحاليل فى الدول النامية.

وكما تعلمون، فإن العلم والتكنولوجيا يتطوران بشكل متسارع، غير أن الهوة تتعمق أكبر بين الدول المتطورة وتلك التي تسير في طريق النمو، حيث تقي هذه الأخيرة بعيدة عن مستجدات العلوم والتقنيات المتطورة، ومنها تقنيات التحليل التي يتواتر تطور دقتها.

الصفحة التالية
الى أعلى هذه الصفحة
الصفحة السابقة

لذلك، يبقى حريا بنا التفكير في نظام دولي على شكل وكالة أو مرصد أو غيره يؤمن التنسيق بين مختلف الدول في مجال الأمن الصحي للموارد الغذائية وتقييم المخاطر المرتبطة بالتغذية على المستوى الدولي، وكذا إرساء نظام أخطار ومساعدة تقنية للدول النامية من أجل مساعدتها على تقوية أنظمة رقابتها عبر وضع استراتيجيات ملائمة دينامية وفعالة في محال تدبير المخاطر.

ولا أرغب في إنهاء كلمتي من دون أن أتقدم بهانئي إلى مجموع المنظمين لهذا الملتقى وبالأخص إلى منظمة الأغذية والزراعة والمنظمة العالمية للصحة، وأغتنمها فرصة أيضا لأعبر عن الامتنان والشكر للمشاركين الذين أبوا إلا أن يقاسمونا معارفهم وتجاربهم. أتمنى لأشغالكم كامل التوفيق وموفور النجاح، وشكرا على إصغائكم.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.