علامة منظمة الصحة العالمية علامة  منظمة الأغذية والزراعة

المنتدى العالمي للمسؤولين عن سلامة الأغذية
المرفق الرابع:
الخطوط العريضة للتقرير الذي عرض في الجلسة الافتتاحية
الصفحة التالية
بيان المحتويات
الصفحة السابقة



السلامة الغذائية، أولوية أساسية من أولويات الصحة العمومية
الدكتور ديفيد هيمان،

مقدمة

غالباً، وليس دائماً، ما كان يتم في الماضي، معالجة موضوع السلامة الغذائية باعتبارها إحدى قضايا الصحة العمومية. أما في الآونة الأخيرة، فقد أدى وجود سلسلة من الأحداث التي شملت أزمات واسعة النطاق تتعلق بالغذاء وتتفاوت من حيث درجة وخامتها، إلى اهتزاز إدراك العامة لمسألة سلامة زادنا الغذائي. ومع ذلك فإن العبء الحقيقي للأمراض المتصلة بالطعام يمثل سبباً أهم من أسباب تزايد الإقرار مؤخراً بأن السلامة الغذائية تمثل أولوية أساسية من أولويات الصحة العمومية. ويتجلى ذلك في قبول السلامة الغذائية باعتبارها إحدى أولويات منظمة الصحة العالمية في عام 2000.

التلوث الجرثومي والترصد

مما يؤسف له أن يرتفع المعدل السنوي للوفيات الناجمة عن الأمراض المعدية المنقولة بالمياه والأغذية في البلدان النامية إلى ما يقدر بـ1‚2 مليون وفاة معظمها بين الرضّع والأطفال. وفي البلدان الصناعية تصيب الأمراض الجرثومية المنقولة بالأغذية ما يصل إلى 30 في المائة من السكان. ويموت سنوياً 20 من كل مليون من السكان بسبب الأمراض المنقولة بالأغذية. وهناك عدد من الأمثلة على زيادة المشكلات على مدى العقود الماضية، إذ بلغ حجم الزيادة في معدل حدوث حالات عدوى الالتهاب المعوي بسبب السلمونيلا في الإنسان فيما بين عامي 1980 و2000 إلى ما يصل إلى 20 ضعفاً في كثير من بلدان أوروبا وأمريكا الشمالية. ومن الأمثلة الأخرى للمشكلات المستجدة على الصعيد العالمي مقاومة الجراثيم للمبيدات. إذ يتضح من البيانات المأخوذة من الولايات المتحدة أن النسبة المئوية من عدوى السلمونيلا التيفية الفأرية المقاومة لأدوية متعددة (من النوع DT 104) ارتفعت مما لا يزيد عن 2 في المائة في عام 1982 إلى 43 في المائة في الماشية في عام 1996، بينما ارتفعت هذه النسبة في الإنسان من صفر في المائة إلى 35 في المائة. ويلاحظ أن منحنيات النسب المئوية لهذه العدوى في البشر والماشية كانت متشابهة تقريباً على مدى نفس الفترة الزمنية؛ مما يوحي بانتقال هذه العدوى من الماشية إلى الإنسان عن طريق الغذاء.

وغالباً ما تتكون سلاسل زادنا من الغذاء من خطوات كثيرة، تزخر كل خطوة منها بالعديد من فرص تلوث الغذاء الممكنة. وقد تم استنباط كثير من طرق إنتاج الطعام بدون تقدير كافٍ للعواقب التي يمكن أن تترتب على استخدام الأساليب غير التقليدية. وقد أدى ذلك مثلاً إلى انتشار وباء جنون البقر (الاعتلال الدماغي البقري الإسفنجي الشكل) الذي لا نستطيع أن نتكهن بمساره المتوقع.

ويتضح من بعض أمثلة التأثير الاقتصادي لفاشيات الأمراض المعدية المنقولة بالأغذية إمكانية خطورة الآثار المترتبة على التدابير الرامية إلى خفض التكاليف. فقد بلغت تكلفة فاشية الكوليرا التي حدثت في بيرو، في عام 1991، 770 مليون دولار أمريكي، بينما بلغت تكلفة فاشية مماثلة في تنزانيا في عام 1998، 36 مليوناً. وتنجم هذه التكاليف، أو بالأحرى الخسائر، عن انخفاض عائدات السياحة والصادرات من السلع الغذائية مثلاً. وقد كان يمكن أن يحول إنفاق جزء من هذه التكاليف على اتخاذ التدابير الوقائية البسيطة ونظم الترصد الفعالة دون حدوث هذه الفاشيات، أو أن يُخفف من آثارها بشكل مؤكد.

ولقد خرجنا من حالة التفشي التي حدثت في تنزانيا بدرسٍ قيمٍ في تحليل المخاطر. فما أن تم الإبلاغ عن فاشية كوليرا بين البشر في كانون الثاني/ يناير 1998 حتى سارعت مختلف البلدان المستوردة بفرض حظر على استيراد المياه العذبة والواردات من الأسماك البحرية. وتم رفع الحظر عقب قيام المنظمة بتقييم الأخطار المتعلقة بالنقل الفعلي لعدوى الكوليرا بين البشر. إلا أن تنزانيا كانت قد فقدت فيما بين فرض الحظر ورفعه قدراً كبيراً من العائدات بسبب وقف تصدير الأسماك. ولو أنه تم إجراء تحليل للمخاطر على أساس معلومات كافية، لكانت الاستجابة الدولية أكثر ملاءمة، ولما تم فرض هذا الحظر مطلقاً. وعليه فإن من مصلحة جميع الشركاء المشتغلين بالتجارة، سواء أكانوا من المصدرين وهم البلدان النامية في الغالب أم من البلدان المتقدمة، أن يقوموا بتحليل المخاطر بقدر كافٍ.

التلوث الكيميائي ووضع المعايير

تتمثل آثار الملوثات الكيميائية للغذاء على صحة الإنسان، كالديوكسينات مثلاً، في مختلف أنواع السرطان، وتلف الجهاز العصبي، وأمراض الجهاز المناعي، والاضطرابات الإنجابية وعرقلة نماء الرضّع والأطفال. وقد تعلمنا من مختلف برامج الرصد أن التلوث الكيميائي لايزال يمثل مشكلة حتى في البلدان التي يفترض أن يكون الإمداد الغذائي فيها مأموناً، حيث يفوق تعرض الغذاء للديوكسين والمركبات الثنائية الفينيل المتعدد الكلور المشابهة له في مختلف البلدان الغربية المأخوذ الشهري المؤقت الذي يمكن أن يتحمله الجسم، كما أن متوسط مستوى الد. د. ت في لبن الأمن في جميع أقاليم المنظمة عدا واحداً يفوق تماماً المأخوذ الشهري المؤقت الذي يمكن أن يتحمله الجسم. ومما يؤسف له أن هناك دراسات مختلفة مشابهة أو أضيق نطاقاً تتمم هذه الصورة.

وقد ساهمت المنظمة، من خلال عدد من أنشطة السلامة الغذائية في تحقيق السلامة الغذائية على الصعيد العالمي، على مدى سنوات عديدة. وقد تحقق الكثير في مجالات ترصد الأمراض ومواجهتها، ورصد وتقييم أخطار المواد الكيميائية والتلوث الكيميائي، وتعزيز القدرات، ووضع المعايير. وقد تم القيام بمعظم هذه الأنشطة بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة.

ترصد الأمراض المعدية على الصعيد العالمي

شبكة جامعة للشبكات: انضمت منظمة الصحة العالمية، من خلال شبكة جامعة للشبكات، إلى كل الشبكات القائمة حالياً، العاملة في مجال ترصد الأمراض المعدية. ويتم القيام بهذه المهمة بالاستعانة بشركاء مهمين في مجال جمع المعلومات المتعلقة بالأمراض ومعدل حدوثها، وبالفاشيات، كوزارات الصحة، والوكالات الشقيقة للأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية، ووسائل الإعلام، وشبكات الوبائيات والتدريب العسكري. وتسوق الفقرة التالية أمثلة للشركاء في هذه الشبكة الجامعة للشبكات.

وتمثل الشبكة العالمية للاستخبارات الصحية العمومية شبكة عالمية على موقع الإنترنت تقوم تلقائياً بالبحث عن جميع المنشورات الجديدة الموجودة على شبكة الإنترنت والمتعلقة بفاشيات الأمراض المعدية. وقد تم بهذه الطريقة التعرف على عدد من الفاشيات المهمة التي كان يمكن ألاّ يتم اكتشافها إلا بعد وقت أطول كثيراً لو كانت نظم الترصد العادية هي الآلية الوحيدة للتعرف على هذه الأمراض. وعلى سبيل المثال فقد اكتشفت الشبكة العالمية للاستخبارات الصحية العمومية على مدى فترة مقدارها عشرة أيام في عام 2000، ومن خلال تقصي فاشيات الأمراض المعدية في البشر، الناجمة عن الأغذية الحيوانية، ما مجموعه عشر فاشيات أصابت خمس منها أقل من خمسة مرضى، وتراوح عدد المصابين في ثلاث منها بين 20 و50 مريضاً، بينما كانت الفاشيتان الباقيتان واسعتي النطاق. وتسمح سرعة اكتشاف هذه الفاشيات بالتبكير في البدء في تنفيذ تدابير المكافحة مما يقلل من الحجم النهائي لهذه الفاشيات.

وقد أدى الترصد العالمي للنزلة الوافدة (الإنفلونزا) البشرية الذي اشترك فيه 84 بلداً، من خلال المختبرات المتعاونة مع المنظمة، أو الشبكات الوطنية، إلى الاكتشاف المبكر لفيروس النزلة الوافدة (الإنفلونزا) من النوع ألف (H5N1) أو فيروس هونغ كونغ، مما سمح بصورة فعالة بمعالجة الإخطار والتخطيط لمواجهة الجائحات. وقد أتاح وجود شبكة تضم جميع المختبرات والمؤسسات المتعاونة البدء في إنتاج لقاحات بعد ما لا يزيد على 4 أشهر من الاكتشاف الأولي للفيروس.

ويمثل الترصد العالمي لعدوى السلمونيلا، وهو مشروع مشترك بين منظمة الصحة العالمية ومراكز مكافحة الأمراض بأتلانتا بالولايات المتحدة، والمعهد البيطري الدانمركي، يقوم بمسح حالات عدوى السلمونيلا في الحيوان والإنسان، برنامجاً عالمياً آخر تم في إطاره إنشاء شبكة من المختبرات من أجل رصد المعدل العالمي لحدوث حالات العدوى هذه. كما يعمل هذا البرنامج على توسيع الشبكة من خلال تقديم المعونة التقنية للمختبرات في مجال تحليل تعيين الزمر المصلية وضمان الجودة.

وفي مجال رصد الملوثات الكيماوية وترصدها، قامت المنظمة بجمع بيانات عن التلوث الغذائي الكيميائي وتعرض الإنسان له من أجل إجراء تقييم عالمي من خلال نظامها العالمي لرصد البيئة، لعدة سنوات. ويركز هذا النظام على دراسة تعرض أقوات السكان للملوثات الغذائية الرئيسية، ويشارك حالياً في هذا النظام أكثر من 80 بلداً.

تقييم المخاطر

ظل تقييم المخاطر الكيماوية المحور الرئيسي للأنشطة على مدى سنوات عديدة. ومن خلال أعمال لجنة الخبراء المعنية بالمضافات الغذائية والمشتركة بين منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية، والاجتماع المشترك بين منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية المعني بمخلفات المبيدات، تم تقديم تقييمات المخاطر وإسداء المشورة للجنة دستور الأغذية الدولي وللدول الأعضاء.

وفي مجال التقييم العالمي للأخطار، أتاحت الدراسات التي أجريت على احتمالات التعرض للإصابة بالاعتلال الدماغي البقري الإسفنجي الشكل (جنون البقر) عن طريق التجارة، والتي ركزت على انتشار المصادر الفعلية للتلوث بهذا الاعتلال على الصعيد العالمي، والأعلاف الحيوانية، والأبقار الحية، وضع سيناريوهات وتنبؤات حول معدل حدوث هذا الاعتلال ومرض كروتيزفلت جاكوب البشري المختلف عنه شكلاً.

وتعكف منظمتا الأغذية والزراعة، والصحة العالمية، حالياً، على إجراء عدد من تقييمات المخاطر الجرثومية، وهي أول تقييمات على الإطلاق تجرى على الصعيد الدولي. وتتمثل مجموعات المسببات الغذائية للمرض التي تم التعرف عليها من خلال مختلف مشاورات الخبراء باعتبارها جديرة بالاهتمام الفوري، في اللستيريأ في الأغذية الجاهزة، والعطائف في الدواجن، والضمة الهيضية (ضمة الكوليرا) في الأطعمة البحرية، والسلمونيلا في البيض والدواجن.

الاستراتيجية العالمية للسلامة الغذائية الخاصة بمنظمة الصحة العالمية

كان من نتائج اعتماد المنظمة للسلامة الغذائية كإحدى أولوياتها أن أصبح لزاماً عليها أن تضع استراتيجية عالمية للسلامة الغذائية. وقد قام المجلس التنفيذي مؤخراً بتقييم هذه الاستراتيجية وإقرارها بحيث تكون أساساً لأنشطة السلامة الغذائية الخاصة بالمنظمة على المدى المتوسط والمدى الطويل. وفي هذه الاستراتيجية يندرج بناء وتعزيز القدرات التقنية، والتعاون الدولي، في مجالات ترصد الأمراض المنقولة بالأغذية، وتقييم المخاطر وتوافر الأمان فى الوسائل التكنولوجية الجديدة، ودور الصحة العمومية في أعمال لجنة دستور الأغذية الدولي، والإبلاغ عن المخاطر المحتملة.

خاتمـة

الصفحة التالية
الى أعلى هذه الصفحة
الصفحة السابقة

هناك حالياً فرص طيبة للشراكة في مجال السلامة الغذائية. وقد أشاع الجو السائد حالياً في نفوس المستهلكين الحذر تجاه السلامة الغذائية كما زعزع ثقتهم بشدة في نظم المراقبة الغذائية القائمة، مما أدى إلى وجود استعداد كبير لوضع السلامة الغذائية على جدول الأعمال السياسي. ومع أن العبء الخفي للسلامة الغذائية لايزال غير مفهوم فهماً كاملاً، إلا أن المعارف الحالية تثير الانزعاج بالفعل بسبب الحقائق المجردة. فالعبء الظاهر للعيان والمتوطن فادح في البلدان النامية. ومما يؤسف له، أن نقص الوعي، بصفة أساسية، سواء من قبل المستهلك أو من قبل السياسيين، يؤدي غالباً إلى ضعف انعقاد الإرادة السياسية على معالجة هذه القضايا بصورة كافية.

وهناك، في هذه اللحظة بالذات، فرصة كبيرة لإقامة الشراكات اللازمة بين البلدان الصناعية والبلدان النامية، للاستفادة من التجارب الحالية والماضية في تعزيز السلامة الغذائية على الصعيدين الوطني والعالمي. فلنغتنم هذه الفرصة أثناء جهادنا من أجل توفير طعام آمنا بدرجة أكبر للجميع.