في قلب إقليم كانينديو، شرق باراغواي، تمتدّ الغابة وكأنها بيتٌ متعدد الغرف. تنهض جذوع الأرزّ جدرانًا وتتشابك الأوراق والأغصان لتشكّل الأسقف. وفي الطابق الأرضي، تنبت الأعشاب التي تُستخدم في التداوي، ويتحول بساط الأوراق إلى نشارة تحفظ الرطوبة وتعيد المغذيات إلى التربة المنهكة. وكل زاوية في هذا المنزل المشيّد من الغابة لها معنى، ولكل جزءٍ فيه فائدة.
تقول السيدة Teodora Vera، وهي امرأة في الخامسة والخمسين من عمرها تنتمي إلى مجتمع شعوب الأفا غواراني الأصلية في "ياكا بوتي": "الغابة بالنسبة إلينا مكان مقدّس؛ منها نستمدّ دواءنا، وحطبنا، وكلّ شيء. الغابة هي حياتنا."
وقبل أن تتوجه إلى منزلها المشيّد من الغابة، تجلس السيدة Teodora على عتبة منزلها الحقيقي، تحتسي مشروب المتة، وهو شراب شبيه بالشاي يُحضّر من أوراق نبتة المتة (Ilex Paraguariensis) وتتهيّأ لبدء يوم جديد من العمل. ولاحقًا، ستلتقي ببعض العائلات الخمس والثلاثين التي تعيش في المجتمع المحلي الذي ترأسه، بينما يواصلون تحويل أراضيهم الزراعية التقليدية (chacras) إلى نظم زراعية حرجيّة، حيث تُزرع الأشجار جنبًا إلى جنب مع المحاصيل الزراعية.
وقد انتُخبت السيدة Teodora زعيمة لمجتمعها المحلي وتعلّمت القيادة بالممارسة من خلال الملاحظة وطلب المشورة والإصغاء.
وتعتبر السيدة Teodora احتياجات مجتمعها وكأنها احتياجاتها الشخصية. وعلى مرّ السنوات، ساهمت في تأمين معاشات تقاعدية عامة للمسنين في مجتمعها وسعت إلى تجديد مبنى المدرسة من أجل الشباب. بل إنها نجحت في إطلاق برنامجٍ للإسكان الاجتماعي يخدم مجتمعها المحلي ومجتمعين اثنين آخرين.
وتقول السيدة Teodora: "حلمي، كقائدة، هو أن يتقدّم مجتمعي إلى الأمام."
ومن المهام الأساسية التي يضطلع بها المجتمع تعزيز جهود إعادة التشجير في المنطقة.
وتضيف السيدة Teodora: "في السابق، حين كانت الغابة واسعة وتزخر بكل شيء، لم نكن بحاجة إلى شراء أي شيء؛ أما الآن، وقد بدأت الغابة تنحسر، شحّت المياه والأسماك وأصبح علينا أن نكدّ أكثر لإطعام أسرنا."
وتؤكّد الأرقام هذه الرواية؛ فبين عامي 2010 و2020، فقدت باراغواي ما يعادل 000 347 هكتار من الغابات سنويًا، ما يجعلها سادس أعلى معدل فقدان للغابات على مستوى العالم. وبموازاة ذلك، يُفاقم تغيّر المناخ الضغوط على سبل العيش في المناطق الريفية.
وعلى بُعد ثلاثين كيلومترًا، في مجتمع شعوب الأفا غواراني الأصلية في "فورتونا"، تجلس السيدة Elva Rosa Gauto، البالغة من العمر 23 عامًا، على عتبة بيتها أيضًا، تُحضّر وجبة الإفطار لابنتها. والسيدة Elva هي أمّ ومزارعة وطالبة. تزرع الكاسافا والحمضيات والفاصولياء في قطعة أرض زراعية حرجيّة باتت مصدرًا لاستقلالها الاقتصادي. إنها الدعامة التي تستند إليها لتسديد رسومها الجامعية ولتغطية نفقات المنزل. وعندما يتوفّر فائض، تبيعه في السوق المحلي.
انتقلت السيد Elva في سنّ مبكرة إلى "فورتونا" لتتمكّن من مواصلة تحصيلها العلمي. وأصبحت أمًّا في السابعة عشرة، ما اضطرها إلى ترك مقاعد الدراسة، لكنها عادت لاحقًا لمتابعة دراستها وهي اليوم تسعى إلى الحصول على شهادة في التمريض.
وتحلم السيدة Elva بأن تتمكن من دعم مجتمعها المحلي من خلال دراستها. وتسعى إلى العمل في وحدة الصحة الأسرية المحلية، حيث يمكنها أن تمزج بين معرفتها بالنباتات الطبية التي يستخدمها شعبها والمكتسبة من الغابة، وبين المهارات السريرية التي تتعلّمها في كلية التمريض. ومجتمعها هو بيتها وهي تطمح إلى أن تُري ابنتها أن المستقبل يمكن أن يُبنى هنا، في قلب هذا المكان.
وتلقت مجتمعاتهنّ دَفعة مع إطلاق مشروع PROEZA، وهو اختصار لعبارات: الفقر، إعادة التشجير، الطاقة وتغيّر المناخ (Pobreza, Reforestación, Energía y Cambio Climático). وتشارك في تمويل المشروع حكومة باراغواي والصندوق الأخضر للمناخ وتنفّذه منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (المنظمة). ويجمع مشروع PROEZA بين الحماية الاجتماعية والعمل المناخي، إذ يدمج الحوافز المالية بالدعم الفني من أجل تعزيز ممارسات الزراعة الحرجيّة المستدامة لدى الأسر المعيشية الريفية ومجتمعات الشعوب الأصلية.
وعلى الصعيد المالي، يقدّم مشروع PROEZA حوافز بيئية للأسر المشاركة بهدف تشجيعها على الاستثمار في أراضيها الزراعية وجعل الإنتاج أكثر قدرة على الصمود واستدامة. وتعتمد هذه الحوافز على المدفوعات المقدّمة من خلال برنامج Tekoporã، وهو البرنامج الرائد للحماية الاجتماعية الذي تتبناه الحكومة.
ويُختار المشاركون في مشروع PROEZA من بين الأسر المعيشية المسجّلة مسبقًا في برنامج Tekoporã الذي يوفّر دعمًا منتظمًا ومتوقّعًا للأسر الريفية الفقيرة والضعيفة، حتى في المواسم التي ينخفض فيها الإنتاج.
وحتى الآن، تلقّت قرابة 500 1 أسرة معيشية مشاركة في برنامج Tekoporã دعمًا ماليًا عبر برنامج PROEZA، ما مكّنها من تلبية احتياجاتها الأساسية وتحقيق الأمن الغذائي.
وبذلك، يُكمّل مشروع PROEZA برنامج Tekoporã من خلال مدفوعات مشروطة ترتبط بالنتائج البيئية. وتُمنح هذه المدفوعات كمكافأة على حسن إدارة الحراجة الزراعية، مثل ضمان تحقيق نسبة بقاء للنباتات لا تقلّ عن 60 في المائة، وتحقيق التنوّع في الأنواع المزروعة، واستخدام تقنيات التقليم السليمة.
أما على الصعيد التقني، فتقدّم المنظمة خبرات ميدانية لمجتمعات الشعوب الأصلية والريفية من أجل اعتماد ممارسات الحراجة الزراعية، بما يشمل إعداد الأرض وتحليل التربة وتوفير البذور والأدوات. ويقدّم المشروع تدريبًا عمليًا على إدارة الأراضي والتقليم، بل ويشمل أيضًا المشورة بشأن تأمين حقوق ملكية الأرض، والتدريب على الوصول إلى الأسواق، وتوفير أجور قصيرة الأجل للزراعة والصيانة عند الحاجة.
باراغواي بلد غير ساحلي في أمريكا اللاتينية واجه لعقود طويلة موجات من إزالة الغابات وتلوّث الأراضي في شرق البلاد بفعل التوسّع في زراعة المحاصيل المكثّفة ومزارع الأبقار.
وفي الوقت نفسه، أدّى تغيّر المناخ في البلاد إلى اضطراب العادات والتقويمات الزراعية. فالصقيع المتأخر يحرق البراعم وأشجار الحمضيات الصغيرة، والرياح العاتية تكتسح صفوف المحاصيل، والأمطار المتقلبة وموجات الحرّ تقصّر مواسم الحصاد وتزيد من عدم اليقين فيها.
وتقول السيدة : Elva "الطقس بات أكثر حرارة والعواصف أشدّ عنفًا."
وعندما تُمنى محاصيل الكاسافا أو الفاصولياء بالخسائر، تتقلص ميزانيات الأسر المعيشية.
ويُساهم حاليًا العمل اليومي الذي تقوم به المجتمعات لمحلية في الأراضي المدعومة من مشروع PROEZA في عكس اتجاه إزالة الغابات. فتُعيد تلك المجتمعات المحلية تشجير أجزاء من المشهد الطبيعي وتُرجع الأشجار إلى الحقول وتساعد في استعادة الوظائف الإيكولوجية التي كانت قد اندثرت.
ويشرح السيد Luis Britos وهو أخصائي في الغابات في المنظمة: "مع توسّع الزراعة المكثّفة للمحاصيل، فقدنا الكتلة الحرجية في المنطقة الشرقية. ومشروع PROEZA يعيد تشجير المناطق المتدهورة ويستعيد المساحات الخضراء من خلال نماذج الزراعة الحرجيّة التي تجمع بين الأنواع المحلية والغريبة، إلى جانب الإنتاج الزراعي المحلي."
وتُعدّ المساعدة الفنية التي تقدّمها المنظمة لتبنّي الحراجة الزراعية بمثابة المفصل الذي يحوّل الفكرة إلى ممارسة يومية. فهي تُقلّل من العقبات التي تعيق الانطلاق وتُعزّز إدارة الأراضي الزراعية على مر الزمن.
ويُعدّ تنظيف الأرض وتحضيرها المرحلة الأكثر كلفة وتعقيدًا بالنسبة إلى المزارعين، ما يثني الكثيرين عن البدء أصلًا.
ويساعد المشروع الأسر على تجاوز هذه العقبات من خلال توفير المعدات التي تُهيّئ الأراضي وتزرع الشتلات بفعالية أكبر وفي وقت أقل.
وتقول السيدة :Elva "كنّا ننظّف كل شيء يدويًا. لكن مع PROEZA ، جاء الجرّار. ثمّ تمّ تجهيز الأرض، وزُرعت أشجار البرتقال، وأصبح عملنا أسهل بكثير. لقد تحسّنت الإنتاجية، وأصبح لديّ المزيد من الوقت للاعتناء بالأرض، وهذا ما يدفعني إلى الاستمرار."
وتختار الأسر المشاركة واحدًا من ستة نماذج للحراجة الزراعية اقترحها المشروع. وقد اختارت السيدة Teodora والسيدة Elva وعائلاتهما النموذج الذي يجمع بين الأشجار المحلية وأشجار الحمضيات والأنواع السريعة النمو. ويبدأ هذا النموذج بزيارات ميدانية وبتحليل للتربة.
وتتذكّر السيدة Teodora قائلة: "ثم حضر فنّيو PROEZA. شرح لنا المهندسون من جديد كيف نُعالج، كيف نُراقب، كيف نعمل."
وفي النموذج الذي اختارته كلٌّ من السيدة Teodora والسيدة Elva، يؤدي الأوكالبتوس دورًا متعدد الأوجه: فهو يعمل كمصدّ للرياح، يحمي الأشجار المحلية التي تنمو ببطء وأشجار الحمضيات الصغيرة. كما يُوفّر مصدرًا مستدامًا لحطب الطهي والتدفئة، مما يُجنّب قطع الأشجار المحلية ذات القيمة الثقافية والبيئية. ويُساهم الأوكالبتوس في تهيئة مناخ مصغّر أكثر برودة واستقرارًا لأشجار الحمضيات. أما التقليم، فيُنتج حطبًا على مدى الزمن، وتُغذّي بقاياه الكائنات الدقيقة في التربة.
وعند أول موجة صقيع، وهي حقبة حرجة بالنسبة إلى النحل، يجد النحل الرحيق في أزهار الحمضيات.
ففي البداية، تزرع الأسر المحاصيل للاستهلاك المنزلي؛ ثم مع نمو الأشجار وتزايد التنوع، تبدأ الأنواع المحلية في الازدهار من جديد.
وفي مجتمع السيدة Teodora، ما تزال الغابة تشكّل العمود الفقري للمشهد الطبيعي. فبفضل بقع صغيرة من أشجار الأوكالبتوس، خفّ الضغط على الأخشاب المحلية، ونمت أشجار الحمضيات في مناطق أكثر حماية، وتقدّمت نبتة المتة في الأماكن التي تفضّل الظل.
أما بالنسبة إلى السيدة Elva، فإن زراعة الحمضيات تُشبه استعادة تراث مجتمعها. فمنطقتهم كانت تُعرف سابقًا بأنها "منطقة الحمضيات البرية"، إلى أن اختفت الأشجار بفعل الأمراض والإهمال. واليوم، تعود صفوف أشجار الحمضيات إلى الحقول؛ وبينها، تضمن محاصيل الكاسافا والفاصولياء الغذاء والدخل البسيط.
تقول السيدة Elva، وهي تنظر إلى الممر الأخضر قرب منزلها: "هذا البستان من أشجار البرتقال هو عونٌ يدوم مدى الحياة. لقد ساعدنا هذا المشروع كثيرًا حتى يتمكّن أطفالنا، حين يكبرون، من أن يروا ما هي ثقافتنا ويعتادون عليها: سيرون عودة الغابة وسيفهمون كم هي ثمينة وسيحمونها معنا."
واليوم، تتكوّن إدارة الأراضي الزراعية من رعاية يومية تقوم على تنظيف المساحات بين الصفوف، والتحكّم في نمو المتسلّقات حيثما توجد حاجة إلى الضوء، والتقليم المنتظم. وتضيف السيدة Elva : "أصبح الآن من الأسهل علينا أن نمارس الزراعة. لقد منحنا المشروع قوة كبيرة لنواصل العمل."
وبعد المرحلة الأولى من العمل الميكانيكي، يأتي الفرق الحقيقي من الروتين الثابت والمشترك. فالعناية بالغابات والحمضيات أصبحت استثمارًا يدوم مع الزمن.
بعد بيع محاصيل الكاسافا والفاصولياء من أرضها، تعود السيدة Elva من السوق وقد دفعت المتوجبات الأساسية أي رسوم الجامعة لهذا الشهر وبعض نفقات المنزل. وبعد أن أشرف فنّيو المنظمة والحكومة على تجهيز الأرض وزراعتها، تقول إنها استخدمت الأرض ثلاث مرات بالفعل، وزرعت فيها الكاسافا والفاصولياء والذرة، وهي تزرع بشكل متزايد الحمضيات كمصدر للدخل.
تقول السيدة Elva : "اشتريت ما كان ينقصني، وسددت في الوقت نفسه رسوم دراستي." وهي تُنظّم أيامها بين رعاية ابنتها، والاعتناء بالأرض، والدراسة، حتى في الليل إذا اقتضى الأمر.
أما السيدة Teodora، فتُساهم مبيعات البطيخ والذرة والكاسافا في دفع ثمن الوقود لنقل أحفادها إلى المدرسة وشراء زيهم المدرسي، وإذا أمكن، شراء اللحم.
لقد أصبحت الزراعة مصدرًا للاستقرار لكلٍّ من السيدة Teodora والسيدة Elva، فيما تُساهم المحافظة على البيئة في دعم زراعتهما. وقد انتقلتا من الاكتفاء الذاتي إلى الاعتماد على الذات ونجحتا في تحسين فرص بيع منتجاتهما وزيادة دخل الأسرة.
بدأ المشهد الطبيعي يزداد اخضرارًا منذ بدء تنفيذ المشروع. فأشجار الأوكالبتوس والشجيرات التي تقي من الرياح تنمو في أماكن كانت أرضًا متدهورة، وصفوف المحاصيل المختلطة تحلّ محل الزراعة الأحادية، والظل المفيد بات يحمي الحدائق وخلايا النحل على نحو متزايد.
وتقول السيدة :Teodora "هنا نتنفس هواءً أنقى وأكثر صحة."
وتتداخل صفوف يافعة من أشجار البرتقال مع شرائط من الذرة، فيما الأوراق التي تكسو الأرض تبني تربة جديدة. وإعادة التشجير اليومية تعني الصبر والرعاية والتعامل مع الانتكاسات والبدايات الجديدة.
هذا ليس خط النهاية، بل اتجاهٌ نسير فيه، فالأشجار تنمو على وتيرة جذورها. إنه تحوّل هادئ لكن يمكن قياسه: تربة أقل تآكلًا وجذور أكثر تثبيتًا للأرض وكربون أكثر اختزانًا في الجذوع.
أكثر من نصف المشاركين في مشروع PROEZA هم من الشعوب الأصلية، لكن قرار المشاركة، وكيفية المشاركة، يبقى خيارًا شخصيًا لهم. وقبل اعتماد أي خطوة، تضمن منظمة الأغذية والزراعة أن تكون أسر الشعوب الأصلية على دراية كاملة بالمشروع وأن تجري استشارتها وفق مبدأ الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة (FPIC)، وهو مبدأ منصوص عليه في إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية. وتُناقش أهداف المشروع وجداوله الزمنية ومناطق التدخّل والالتزامات والفوائد بلغاتها المحلية، ومن خلال الرسوم التوضيحية وأمثلة ملموسة تجعل المشروع مفهومًا وواقعيًا.
ويركّز مشروع PROEZA أيضًا على تمكين النساء، إذ إن 80 في المائة من المشاركين هنّ نساء. وفي هذا السياق، تم إنشاء شبكة القيادات النسائية من الشعوب الأصلية التي تجمع بين المشاركات من الولايات الثماني التي يُنفّذ فيها المشروع. ومنذ عام 2022، تعقد الشبكة اجتماعين لها سنويًا لتوفّر للنساء مساحة لتبادل الخبرات وصقل المهارات وتحويل الاحتياجات إلى مقترحات جماعية.
وكان الانضمام إلى هذه الشبكة نقطة تحوّل بالنسبة إلى السيدة Teodora . وتتذكّر كيف تعلّمت في الاجتماعات الأولى أن النساء غالبًا ما يكنّ أول من يلاحظ ما ينقص في مجتمعاتهن المحلية، سواء أكان ذلك طعامًا أو دواءً أو مياهًا آمنة. وبدافع من هذا التبادل، بدأت السيدة Teodora العمل على تلبية أحد أبرز احتياجات مجتمع "ياكا بوتي" من الشعوب الأصلية وهو الوصول إلى مياه شرب آمنة. فحتى ذلك الحين، كانت الأسر تعتمد على جدول مائي ملوّث بمخلّفات مزارع الصويا ويقع على بُعد كيلومترين، ما كان يعني السير طويلًا وسط الأخطار بالنسبة إلى الأطفال.
وبتشجيع من الشبكة ودعم من مجتمعها المحلي، قامت السيدة Teodora برحلات متكرّرة إلى العاصمة أسونسيون للتفاوض مع المؤسسات العامة. وقد أثمرت مثابرتها: ففي عام 2023، قدّم معهد شؤون الشعوب الأصلية في باراغواي – وهو جهة من الجهات التي تدير المشروع – خزان مياه بسعة 10 آلاف لتر لمجتمعها المحلي. وكان الأثر فوريًا من خلال تقليص الساعات التي تُهدر في جلب المياه، ودرجة أمان أكبر للأطفال، ووقت أكثر للنساء والرجال لتكريسه للزراعة وللحياة المجتمعية.
يطمح مشروعPROEZA بالإجمال إلى الوصول إلى نحو 300 8 أسرة في ثماني ولايات واقعة في شرق باراغواي.
والمرافقة الميدانية المنتظمة، بما يشمل الزيارات التقنية والتجارب في الأراضي ومتابعة التقدّم المحرز، تُحوّل الإرشاد إلى كفاءة ومهارات لدى الأسر المشاركة، مما يُمكّن المجتمعات المحلية من امتلاك المشروع فعليًا.
وعندما ترتبط الحماية الاجتماعية بإدارة الأراضي والحراجة الزراعية، تتراكم الفوائد: خفض إزالة الغابات، وزيادة القدرة على الصمود أمام تغيّر المناخ، وتأمين دخل أكثر استقرارًا. ومن المتوقع، من خلال أنشطة مشروع PROEZA، أن يتم احتجاز نحو 2.2 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون طوال مدة تنفيذه، مما يُساهم في التخفيف من آثار تغيّر المناخ.
والأثر الإجمالي هو ترسيخ الأمن الغذائي وحماية البيئة والغابات في القيم الثقافية للشعوب الأصلية وتوفير شمول اقتصادي يبدأ من المجتمع المحلي وصولًا إلى السوق.
فالمحاصيل المخصصة للاستهلاك المنزلي تُحرّر الموارد لتغطية نفقات أخرى؛ والحمضيات والعسل والفوائض تُولّد الدخل. ويعني ذلك بالنسبة إلى كثير من النساء الاستثمار في التعليم والأدوات ووسائل النقل.
وهذا هو وجه الحماية الاجتماعية حين تُطبَّق فعليًا باعتبارها عنصرًا أساسيًا في السياسات والبرامج التي تُمكّن الأسر من توسيع آفاقها – من مجرّد البقاء إلى التخطيط والاستثمار من أجل المستقبل. فهي تُساعد صغار المزارعين على الاستثمار في مشاريع زراعية صغيرة أو في حماية البيئة، بما يُنتج فوائد في الأجل الطويل.
وبالنسبة إلى السيدة Elvaوالسيدة Teodora، يعني كل ذلك وقتًا مُتاحًا وخيارات جديدة، أي الدراسة من دون تعطيل موسم الحصاد، والذهاب إلى موعد طبي من دون تفويت عملية الزرع، وتأجيل النفقات بدافع الاختيار لا الضرورة.
وكما يلاحظ ممثل المنظمة في باراغواي السيد Iván Felipe León Ayala: "أثبت مشروع PROEZA أنه أداة فعّالة لتجاوز الفقر. [...] ويجب أن ينمو هذا المشروع وأن يتوسّع نطاقه، ليس فقط في باراغواي. إنه نموذج جدير بالتكرار في أمريكا اللاتينية لأنه يدمج بين الحماية الاجتماعية، وحماية البيئة، والعمل المناخي، والمساعدة الفنية المتخصصة."
ويُعدّ التنسيق بين المؤسسات، رغم صعوبته، أحد أبرز الابتكارات في مشروع PROEZA. فهو يجمع بين تسع أجهزة حكومية ويعمل على توطيد التعاون وسدّ الفجوات بينها.
وتُشير السيدة Liz Coronel، مديرة التنمية الاقتصادية في وزارة الاقتصاد والمالية في باراغواي: "لقد كانت المساعدة الفنية التي قدّمتها المنظمة أساسية لمساعدتنا على التواصل بين المؤسسات، بحيث تُساهم كلٌّ منها بخبرتها وكفاءاتها. وهذا يُسهّل العمل الميداني بطريقة أبسط وأكثر ملاءمة لكي يتمكّن السكان المحليون من فهم العملية وامتلاكها."
ليست الغابة بالنسبة إلى السيدة Teodora والسيدة Elva مجرد مجموعة من الأشجار، ولا الحراجة الزراعية مجرد استراتيجية اقتصادية؛ بل هي بيت وإرث حيّ يصون الهوية والكرامة والأمل.
وتنظر السيدة Teodora إلى أحفادها وتتخيّل مستقبلًا يحصدون فيه النباتات التي تعتني بها اليوم بكل جهد: "بعد بضع سنوات، سيكون الأمر مفيدًا أكثر."
وتُرجع السيدة Elva الفضل إلى بستان الحمضيات الذي زرعته، إذ أتاح لها متابعة حلمها في أن تصبح ممرّضة: "حين تنضج ثمار البرتقال، سأتمكّن من بيعها."
وفي النهاية، فإن المقياس الحقيقي للتغيير هو الإرث الذي تبنيه هؤلاء النساء لأجيال المستقبل.
وهنا، في كانينديو، تُعدّ الغابة منفعة عامة تنسج خيوط الثقافة والصحة والغذاء والكرامة. ومشروع PROEZA يظهر أنّ مكافحة الفقر من خلال الحماية الاجتماعية ومواجهة تغيّر المناخ يمكن أن يسيرا جنبًا إلى جنب كمثال يمكن تكراره في أماكن أخرى.
وأحلام السيدتين Elva وTeodora راسخة. فالسيدة Teodora تأمل في "أن تتحسّن أوضاع الشعوب الأصلية"؛ فيما تأمل السيدة Elva في "أن أصبح ممرّضة وأعمل لخدمة المجتمع". وهكذا، بفضل الرعاية اليومية، تنمو الغابة من جديد ومعها المجتمع المحلي.