Food and Agriculture Organization of the United NationsFood and Agriculture Organization of the United Nations

من خيرات البحر إلى كنوز الأرض


رحلة ابتكار سبل عيش جديدة وسط الأزمات في شمال موزامبيق

Share on Facebook Share on X Share on Linkedin

ترك السيد Paulo Benedito البحر، ولجأ إلى الأرض بعدما شرّده الصراع الدائر في دياره. وبات الآن يزرع الذرة والمحاصيل الورقية خارج مركز ميكولاني للنازحين داخليًّا في شمال موزامبيق. ©FAO/María Legaristi Royo

04/08/2025

أسَّس السيد Paulo Benedito حياةً قوامها البحر. فقد وُلد ونشأ في كيسانغا، وهي بلدة ساحلية صغيرة في مقاطعة كابو ديلغادو، شمال موزامبيق، وهو ينحدر من أسرة امتهنت صيد الأسماك جيلًا بعد جيل. وكان المحيط بالنسبة إليه أكثر من مجرد مصدر رزق بل أسلوب حياة توارثه الأسلاف على مدى أجيال.

وفي كلِّ صباح، اعتاد السيد Paulo أن يُبحر قبل الفجر في قاربه الخشبي وأن يعود بعد ساعات حاملًا ما يكفي من الأسماك لإطعام أسرته. وأحيانًا، إذا كان الصيد وفيرًا، كان يبيع الفائض في السوق. وقد أتاح له هذا الدخل المتواضع إرسال أطفاله إلى المدرسة، وإعالة زوجته، والمساهمة في رفاهية مجتمعه المحلي. وبالنسبة إلى باولو وأسرته، كانت بلدة كيسانغا موطنه الوحيد، مكانًا يجسد الاستقرار ومعنى الحياة والانتماء.

ولكن، في عام 2021، قام متمردون إسلاميون مسلحون، يُعرفون محليًّا باسم "أنصار السُّنة" أو "الشباب" ويرتبطون بتنظيم الدولة الإسلامية، بشنِّ هجمات عنيفة اجتاحت أنحاء كابو ديلغادو. فأحرق المتمردون المنازل، ونهبوا القرى، واختطفوا المدنيين، وهجّروا قسرًا عشرات الآلاف من الأُسر. 

وعصفت أعمال الإرهاب بمجتمع السيد Paulo، فقضت على أحبائه وحوّلت المكان الذي كان يعتبره يومًا وطنه الآمن، إلى خط مواجهة. فتبدّلت الأحوال بين ليلة وضحاها.

ولذلك، اضطر السيد Paulo إلى الفرار ووصل إلى مركز ميكولاني للنازحين داخليًّا ترافقه زوجته وسبعة أطفال، أربعة من أبنائه وثلاثة أطفال أيتام كان قد احتضنهم بعد مقتل أمهاتهم جراء موجة العنف.

وكانت هذه النقلة مخيفة؛ فلم يكن السيد Paulo معتادًا على الزراعة وظنَّ أن إرساء حياة جديدة ومزاولة مهنة مختلفة تمامًا، يمثل تحديًا هائلًا. ولكن لم يكن أمامه خيار آخر إذ فَقَد قاربه، وأدواته، ومنزله.

ويتذكر قائلًا: "في البداية، لم أعرف ماذا أفعل. لقد كان البحر كل ما عرفته طوال حياتي. ولكن عندما وصلنا إلى هنا، أدركتُ أن عليَّ أن أتعلم شيئًا جديدًا لكي أتمكن من البقاء على قيد الحياة."

وانطلاقًا من عزم السيد Paulo على إطعام أسرته، انضم إلى دورات التدريب الزراعي التي قدّمتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (المنظمة) في مجتمعه المحلي. ولم يمضِ وقت طويل حتى برز كأحد أكثر المتدربين تميّزًا ونشاطًا.

ويقول: "أصبحتُ الآن أفضّل الأرض على البحر. فالزراعة مهنة تجعلني أكثر سعادة، لأن مخاطرها أقل. وحتى لو لم أبع شيئًا، فعلى الأقل، أعرف أن أسرتي سيكون لديها ما تأكله".

قدمت منظمة الأغذية والزراعة للسيد Paulo بتمويل من بنك التنمية الأفريقي بذورًا لزراعة خضروات أخرى، مما أتاح له تحسين الأمن التغذوي لعائلته. ©FAO/María Legaristi Royo

بناء سُبل العيش من الصفر

أعاد السيد Paulo، منذ وصوله إلى ميكولاني في عام 2021، بناء حياته من الصفر. وتحوّل تعلُّم الزراعة في أرض غير مألوفة، الذي بدأ كتحدٍّ هائل، إلى روتين يومي راسخ قوامه معنى الحياة والمثابرة.

وبعد أربع سنوات من العمل الجاد والتعلّم بالممارسة، أصبح السيد Paulo وزوجته يديران قطعتين من الأراضي الزراعية، تبلغ مساحة كل منهما هكتارًا واحدًا. وباتا يزرعان مجموعة متنوعة من المحاصيل على مدار السنة ويتناوبان على رعاية الأرض. وخلال عطل نهاية الأسبوع، ينضم إليهما طفلاهما الأكبر سنًّا اللذين يبلغان من العمر 10 و12 عامًا، للعمل في الحقول حيث يكتسبان مهارات قيّمة ويساهمان في إعالة الأسرة. وهكذا تمكّنوا معًا من تحويل الشدائد إلى مصدر رزق للأسرة.

ويزرع السيد Paulo الفاصولياء، والذرة، والبطيخ، والبازيلاء، والفول السوداني، والبامية، والكسافا. ويقسّم حصادَه لتحقيق ثلاثة أهداف هي استهلاك الأسرة، وتخزين البذور للموسم القادم، وبيع الفائض في السوق المحلية. ويغطي هذا الدخل تكاليف الرسوم المدرسية لخمسة من الأطفال، وشراء الملابس والأدوية وادخار مبلغ بسيط للمستقبل.

ولكنّ بيع المنتجات في سوق منطقة شيور التي تبعد 25 كيلومترًا، يُشكِّل تحديًّا وكلفة إضافيين بالنسبة إلى السيد Paulo. إذ تبلغ كلفة الرحلة، ذهابًا وإيابًا على دراجة نارية، ما يصل إلى 150 ميتيكاي (أكثر من دولارين أمريكيين)، مما يزيد الضغط على أرباحه المحدودة.

بعدما ضرب الإعصار "تشيدو" المنطقة في عام 2024، تعاونت منظمة الأغذية والزراعة مع حكومة موزامبيق والبنك الدولي لإطلاق برنامج طارئ لتوزيع البذور والأدوات الزراعية لدعم المجتمع المحلي في التعافي من هذه الأزمة الأخيرة ومساعدته على استئناف أنشطته الزراعية. ©FAO/María Legaristi Royo

عندما تحلّ الكارثة، يصبح الدعم ضروريًّا

في عام 2022، قدّمت المنظمة إلى السيد Paulo أربع دجاجات. ومنذ ذلك الحين، زاد هذا العدد ليصل إلى 15 دجاجة، ما وفر لأسرته مصدرًا ثابتًا من البيض واللحوم، فضلًا عن مصدر دخل إضافي بفضل بيع الصيصان.

وفي عامي 2024 و2025، أطلقت المنظمة، بتمويل من البنك الأفريقي للتنمية، مشروعًا جديدًا في المنطقة وتلقى السيد Paulo بذورًا لزراعة الكرنب، والبصل، والطماطم، واليقطين؛ مما أتاح له تنويع وجبات عائلته وتحسين قيمتها التغذوية.

ولكن، في ديسمبر/كانون الأول 2024، ضرب إعصار "تشيدو" المنطقة وتسببت العاصفة بفيضانات أغرقت منزله. واقتلعت الرياح أجزاءً من السقف وقضت على معظم البذور المخزّنة لديه. وفي أعقاب ذلك، أطلقت حكومة موزامبيق بالتعاون مع المنظمة وبتمويل من البنك الدولي، برنامجًا طارئًا لتوزيع البذور يهدف إلى دعم المجتمع المحلي للتعافي من هذه الأزمة الأخيرة. وقد تلقى السيد Paulo بذورًا جديدة ومعولًا لاستئناف نشاطه الزراعي في الوقت المناسب لموسم الزرع التالي.

غرس القدرة على الصمود، بذرةً تلو الأخرى

يُعيد السيد Paulo بناء حياته من جديد، تدريجيًّا. 

ويقول: "كان عليَّ أن أبدأ من الصفر. لكني أعرف كيف أعمل وباتت لدي الآن طريقة جديدة لإعالة أسرتي".

وبالنسبة إلى الأُسر في منطقة شيور وفي جميع أنحاء كابو ديلغادو، أصبحت الأزمات، سواء أكانت ناجمة عن الصراع أو عن المناخ، جزءًا من الحياة اليومية. ومع ذلك، يظل السيد Paulo عازمًا ومثابرًا في مواجهة هذه التحديات.

وهو يحلم بتوسيع أراضيه وتربية المزيد من الماشية وبناء منزل أكثر أمانًا لأطفاله. وتواصل المنظمة، جنبًا إلى جنب مع حكومة موزامبيق وبدعم مستمر من شركائها، مساعدة المجتمعات المحلية، مثل مجتمع السيد Paulo، على تعزيز قدرتها على الصمود لكي تتمكّن، رغم حالة عدم اليقين السائدة، من مواصلة الزراعة وتوفير احتياجاتها والعمل من أجل مستقبل أفضل.

للمزيد عن هذا الموضوع

للمزيد من المعلومات

الموقع الإلكتروني: الملامح القطرية من إعداد منظمة الأغذية والزراعة: موزامبيق

الموقع الإلكتروني: مكتب حالات الطوارئ والقدرة على الصمود التابع للمنظمة