Food and Agriculture Organization of the United NationsFood and Agriculture Organization of the United Nations

الطريق نحو التعافي في جمهورية الكونغو الديمقراطية


منظمة الأغذية والزراعة تضع المساعدة الزراعية في طليعة الاستجابات لحالات الطوارئ

Share on Facebook Share on X Share on Linkedin

©FAO/Alessandra Benedetti

19/12/2024

في أحد المواقع العديدة للنازحين داخليًا خارج مدينة غوما (Goma)، في الجزء الشرقي من جمهورية الكونغو الديمقراطية الذي مزقت أشلاءه الحرب، يعيش 500 32 شخص في ملاجئ مؤقتة - بحر من الخيام البيضاء يمتد على مساحة شاسعة لا يمكن حصرها بالعين المجردة. وعلى بعد 18 كيلومترًا فقط من خط المواجهة، لا يزال من الممكن سماع أصوات الطلقات والانفجارات، خاصةً في الليل، مما يعيد إلى الأذهان ذكريات إجبار هؤلاء السكان على مغادرة الأماكن الهادئة التي كانوا يعتبرونها ذات يوم موطنًا لهم.

والآن، يعيش هؤلاء السكان في مخيّمRusayo 2  للنازحين داخليًا للهروب من النزاع المستمر في المنطقة ولحماية أنفسهم وأطفالهم، على أمل أن يبدأوا حياة جديدة.

ويعمل مخيّمRusayo 2  حاليًا بأقصى طاقته الاستيعابية، ممّا يجبر الوافدين الجدد على الاستقرار في امتداد تلقائي للمخيّم. ولا يؤدي هذا الاكتظاظ إلى الضغط على موارد المخيّم المحدودة فحسب، وإنما يعرّض أيضًا المزيد من الأشخاص لمخاطر أمنية، إذ يظلّ السكان عرضةً لهجمات الجماعات المسلحة.

ويتفاقم خطر انعدام الأمن الغذائي مع تزايد أعداد ساكني المخيّم. وليس من الصعب على أي شخص من خارج المخيّم أن يرى هذه الحقيقة، خاصة خبراء منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (المنظمة).

وقالت السيدة Beth Bechdol، نائب المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة، خلال زيارتها إلى مخيّم Rusayo 2، "إنّ الوضع في العديد من المواقع مثيرٌ للقلق بشكل لا يصدق من حيث قدرة الأشخاص على الحصول على الخدمات الأساسية، سواء الصرف الصحي أو السكن. وإنّ مخيّمRusayo 2  للنازحين داخليًا مكتظ فعلًا، مع قدوم 000 30 شخص إضافي وعدم وجود مساحة كافية لاستيعابهم. كما أنّ حالة الأمن الغذائي حرجة للغاية هنا - لا سيما بالنسبة إلى الوافدين الجدد، ولكن أيضًا بالنسبة إلى المقيمين منذ فترة أطول".

وتواجه جمهورية الكونغو الديمقراطية أزمةً إنسانية طويلة الأمد، يؤججها النزاع المسلح المستمر والظواهر الجوية الشديدة المتكررة، ممّا يؤدي إلى نزوح داخلي هائل وإلى دفع الملايين إلى حافة الجوع.

وفي الفترة الممتدة بين يناير/كانون الثاني ويوليو/تموز 2024، أجبر الصراع أكثر من 1.4 ملايين شخص على مغادرة منازلهم. وبشكل عام، تستضيف المخيّمات سبعة (7) ملايين نازح داخليًا، يعيش 89 في المائة منهم في المحافظات الشرقية.

وفي ما يتعلق بانعدام الأمن الغذائي، يتم تصنيف معظم مواقع النازحين داخليًا على أنها مواقع عند مستوى حالات الطوارئ [المرحلة 4 من التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي]، ممّا يعني أن الأشخاص يعانون من مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع وجود فجوات كبيرة بين فترات تناول الطعام وعدم تناوله، ومستويات عالية من سوء التغذية. وبالنسبة إلى الجزء الأول من عام 2025، تشير التوقعات إلى وضعٍ مماثل.

على نحو ما يتبيّن من النداء الإنساني لعام 2025، تحتاج منظمة الأغذية والزراعة (المنظمة) إلى مبلغ 200 مليون دولار أمريكي لمعالجة مسألة انعدام الأمن الغذائي الحاد وسوء التغذية من خلال مساعدة 3.6 ملايين شخص على إنتاج غذائهم الخاص. 

ويقول السيد Rein Paulsen، مدير حالات الطوارئ والقدرة على الصمود في المنظمة، "إنّ الزراعة في حالات الطوارئ هي وسيلة فعالة من حيث التكلفة ومؤثرة وتحفظ الكرامة لدعم الفئات الأكثر ضعفًا في جمهورية الكونغو الديمقراطية. ولكننا بحاجة إلى المضي قدمًا إلى ما هو أبعد من مجرد جعل الاستجابة الإنسانية أكثر فعالية واستخدام التدخلات الزراعية أيضًا لتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الصدمات المستقبلية".

وقامت السيدة Bechdol والسيد Paulsen والسيد Abebe Haile-Gabriel، المدير العام المساعد لمنظمة الأغذية والزراعة والممثل الإقليمي لأفريقيا، بزيارة إلى مخيّمRusayo 2  ومواقع أخرى لمشاريع المنظمة لتقييم الاحتياجات على أرض الواقع وتحديد الحلول من أجل توسيع نطاق استجابة المنظمة.

©FAO/Alessandra Benedetti

وفي الوقت الراهن، تساعد المنظمة 000 25 أسرة معيشية مستضعفة، أو ما يقرب من 000 150 شخص، في كيفو الشمالية (North Kivu) وإيتوري (Ituri)، بما في ذلك مخيّمRusayo ، من خلال القسائم النقدية غير المشروطة ومدخلات البستنة الصغيرة والإنتاج الحيواني. ويمكِّن هذا الدعم النازحين داخليًا من تلبية احتياجاتهم الغذائية الفورية وغيرها من الاحتياجات الأساسية.

ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحدّ.

وتوضّح السيدة Bechdol قائلة "في هذا المخيم، لا تدعم المنظمة إعمال حقوق الإنسان الأساسية بما في ذلك الحق في الغذاء فحسب، وإنما تركز أيضًا على بناء قدرة الأسر المعيشية الأكثر ضعفًا على الصمود. وإنّ رؤية هذه المكونات الحاسمة – أي هذا التركيز المزدوج – في مشاريع المنظمة كان أمرًا مشجّعًا حقًا. فمن ناحية، ترون الحاجة الماسة، ومن ناحية أخرى، ترون بعض الشعور بالتفاؤل والتحمَّس والحماس الذي يأتي من المخيمات، ومن السكان، ومن النازحين أنفسهم".

وفي الواقع، ساعدت مجموعات أدوات البستنة الصغيرة التي قدمتها المنظمة الأسر المعيشية، حتى وإن كانت تستخدم في بضعة أمتار مربعة فقط من الأرض، على زراعة مجموعة من الخضروات، بما في ذلك الباذنجان والطماطم والملفوف والفول السوداني والسبانخ والقُطَيفة (الأمارانث).

ويقول السيد Paulsen "لقد قمنا بزيارة مواقع النازحين داخليًا وشاهدنا التأثير المنقذ للحياة للبستنة الصغيرة والتدخلات ذات الصلة التي توفر أغذية مغذية في وسط مواقع النازحين داخليًا هذه".

وتقوم العديد من الأسر المعيشية أيضًا بدمج البستنة الصغيرة مع تربية الأرانب والدجاج، باستخدام مخلّفات الحيوانات لتخصيب التربة وزيادة الإنتاجية.

وتضمن بذور الخضروات والحيوانات الصغيرة عالية الجودة التي تقدمها المنظمة حصول الناس على وجبات مغذية على أساس يومي، كما أنها تدر الدخل عن طريق بيع المنتجات الحيوانية والمنتجات الزراعية.

وتصف السيدة Bechdol، أثناء زيارتها لمنزل السيدة Riziki Ange، وهي أم لعشرة أطفال يعيشون في مخيم النازحين داخليًا، قائلة "منذ وقت ليس ببعيد، استلمت عددًا صغيرًا من الأرانب من المنظمة: ذكر وثلاث إناث، وقد أصبح عدد الأرانب الآن 32 أرنبًا".

واستطردت السيدة Bechdol قائلة "لقد كانت متحمسة جدًا لمجرد حصولها على هذا القليل من الدعم لمساعدتها على البدء أنشطتها وتوسيعها. ويمكنكم أن تروا أنها أصبحت تقريبًا صاحبة أعمال من خلال الطريقة التي كانت تمارس بها هذا النشاط".

تمكين المرأة الريفية

على الجانب الآخر من بحيرة كيفو Kivu، في Bukavu، تتجمّع مئات النساء معًا كجزءٍ من "نوادي ديميترا" لمناقشة التحديات المحلية وسبل معالجتها. وإنّ نوادي ديميترا هي مبادرة محورية مدعومة من المنظمة تعمل على تمكين سكان الريف، خاصة النساء والشباب، من أجل إحداث تحوّل اجتماعي وبيئي واقتصادي في مجتمعاتهم المحلية.

وبالنسبة إلى أعضاء النادي، نظّمت المنظمة سلسلة من الدورات التدريبية بشأن تعظيم الإنتاجية الزراعية من خلال الممارسات الزراعية المستدامة. كما تلقت النساء أيضًا بذورًا عالية الجودة ودعمًا لتربية الحيوانات من أجل إنتاج المزيد من الأغذية، ممّا سمح لهن ببيع الفائض في الأسواق بهدف بدء مشاريعهن الخاصة في يوم من الأيام.

وتقول السيدة Bechdol "من المشجّع حقًا سماع القصص الشخصية لهؤلاء النساء بشأن كيفية تغيّر حياتهن منذ بداية المشروع ومعرفة مدى حرصهن على رؤية مشاركة أكبر من جانب المنظمة. ونحن بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد لتعزيز التمكين الاقتصادي للمرأة الريفية، ودعم الأنشطة المدرّة للدخل وتحسين وصولها إلى الموارد والأسواق".

©FAO/Alessandra Benedetti

إطلاق إمكانات الابتكار

في المنطقة نفسها من جنوب كيفو، تنجذب الأنظار إلى صفوف خضراء جذابة من حدائق إكثار البذور. وتحظى هذه المواقع بدعم المعهد الوطني للدراسات والبحوث الزراعية (INERA) الذي أقامت معه المنظمة شراكة قوية.

وقامت المنظمة بتزويد المعهد ببذور عالية الجودة ومعدات، مثل عدادات البذور وأجهزة قياس الرطوبة ومرافق تخزين البذور، لتحسين تقييم البذور وحفظها. وتعتبر هذه التطورات حاسمة لدعم تحسين غلات المحاصيل وتعزيز الإنتاج الزراعي الإجمالي.

وتقول السيدة Bechdol "هناك حاجة ماسة إلى مراكز بحثية مثل هذا المركز. ويكتسي [المركز] أهمية بالغة بالنسبة إلى مساعدة المزارعين المحليين على زراعة أغذيتهم المغذية بالكميات المطلوبة. وعلينا أن ندمج الابتكار والتكنولوجيات وأدوات البيانات في عملنا في حالات الطوارئ".

وإنّ تقنيات إكثار البذور أحد العوامل التي تُغيّر مجرى الأمور في مجال الزراعة. ولكن ذلك ليس المجال الوحيد الذي يضطلع فيه الابتكار بدور مهم في هذه المنطقة. فعلى بعد بضعة أميال من الطريق، يبرز مفرخ للأسماك ومطحنة للأعلاف من أحدث طراز كمبادرة بالغة الأهمية أنشأتها المنظمة.

وتعمل مطحنة الأعلاف كمنشأة حديثة مخصصة لإنتاج أعلاف حيوانية عالية الجودة باستخدام مواد خام محلية المصدر. وتعمل المطحنة، من خلال ضمان حصول الماشية على علف مغذٍ، على تحسين صحة الحيوانات وإنتاجيتها بشكل كبير.

واستكمالًا لمطحنة الأعلاف، يركز مفرخ الأسماك على تربية إصبعيات الأسماك، وخاصة البلطي وسمك السلور. ولا يوفر هذا المفرخ مصدرًا مستدامًا للبروتين في المنطقة فحسب، وإنما يقوم أيضًا بتوزيع الإصبعيات على المزارعين المحليين.

وتقول السيدة Bechdol، وهي تراقب المرافق، "هناك إمكانات غير مستغلة هنا لتحقيق إنتاجية زراعية كبيرة وربحية. وإنّ المساهمة الفريدة التي يمكن للمنظمة تقديمها حقًا هي المساعدة في بناء هذا النوع من القدرة على الصمود في المجال الزراعي في البلاد.

وبفضل زيادة الدعم للمشاريع التي تجمع بين التدخلات الزراعية الطارئة والقدرة على الصمود، مثل تلك الموجودة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، لا يمكن للناس الحفاظ على سبل عيشهم فحسب، وإنما يمكنهم أيضًا إنشاء أساس متين للتعافي، حتى في أوقات الأزمات.

في مخيّم Rusayu 2 للنازحين داخليًا في غوما، تجري استعادة سبل العيش من خلال المساعدة الأساسية الممولة من الصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ - وهو شريك حيوي للمنظمة كان أساسيًا لإنقاذ الأرواح وتحفيز القدرة على إنتاج الأغذية لدى المجتمعات المحلية التي نزحت بفعل النزاع والأزمة. وفي بوكافو، تلقى المعهد الوطني للبيئة والبحوث الزراعية (INERA) وأنشطة إكثار البذور التمويل من حكومة ألمانيا ومن البنك الدولي. وقدّم الأخير أيضًا تمويلًا حاسم الأهمية لبناء مفقس للسمك ومطحنة للعلف في بوكافو. وأمكن تشغيل نوادي ديمترا بفضل الدعم المالي من حكومة ألمانيا. وتؤكد هذه الجهود أهمية الشراكات العالمية في معالجة الاحتياجات الملحة للمجتمعات المحلية الضعيفة في جمهورية الكونغو الديمقراطية.