خمس طرق لجعل المدن أكثر سلامة واستدامة


تشهد المدن توسّعًا وكذلك الفرصة المتاحة لجعلها مستدامة

من شأن التخطيط الحضري الجيّد، بما في ذلك الترويج للمساحات الخضراء والنظم الغذائية المستدامة، أن يؤثر إيجابًا على الأمن الغذائي والتغذية. وهو قادر أيضًا على المساعدة في النهوض بسبل عيش ورفاهية الأفراد في المجتمعات المحلية الحضرية وشبه الحضرية. ©تصوير روشيتزكي/شاترستوك

11/02/2020

يعيش حاليًا أكثر من نصف سكان العالم في المدن. وفي ظلّ التوقعات التي تشير إلى أنّ هذا العدد سيبلغ الضعف بحلول عام 2050، يشكّل التوسع الحضري أحد أشدّ الاتجاهات إحداثًا للتحوّل في العالم.  

والمدن مسؤولة حاليًا عن 70 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم وتستهلك ثلثي الطاقة في العالم. وفي حين كان هذا التوسع الحضري السريع الحافز وراء استنباط حلول مبتكرة في مجالات عديدة، بما في ذلك السكن والنقل والبنى التحتية، غالبًا ما يتمّ إغفال عامل أساسي هو الأمن الغذائي والتغذية.  

ولسوء الحظّ، غالبًا ما يرتبط العيش في المدن بخيارات مغلوطة من حيث الأنماط الغذائية. كما أنّ المناطق الحضرية تشكل بدورها مصدرًا هامًا للمهدر من الأغذية. ويحدث كذلك التوسع الحضري على حساب الموارد الطبيعية والمساحات الخضراء مما يزيد من تعرّض المجتمعات المحلية الحضرية لتأثيرات تغيّر المناخ. ولا بد لنا من إعادة النظر في طريقة عمل مدننا إذا ما أردنا إقامة مدن مستدامة لأجيال المستقبل. وتساند خطة عمل المنظمة للأغذية في المناطق الحضرية صانعي القرارات حول العالم من أجل إدماج النظم الغذائية ضمن عملية التخطيط المُدني.  

وفي ما يلي خمس طرق لجعل المدن أكثر سلامة واستدامة.

1-   تشجيع الزراعة في المناطق الحضرية

عند التفكير في الزراعة، غالبًا ما تتبادر المناطق الريفية إلى أذهان معظم الأشخاص. لكن، أكنت تعلم أنّ أكثر من 800 مليون نسمة في العالم يمارسون الزراعة في المناطق الحضرية؟

وبإمكاننا، من خلال المحافظة على الأراضي الزراعية في المناطق الحضرية اختصار سلاسل الإمداد وكمية انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عند نقل الأغذية من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية. ومن شأن إنتاج وبيع كمية أكبر من الأغذية الطازجة ضمن المدينة نفسها أن يحدّ من الـتأثيرات المناخية لتوزيع الأغذية وأن يزيد فرص وجود سلاسل إمداد محلية شاملة وأن يحسّن القدرة على الحصول على أغذية مغذية، مثلاً من خلال أسواق المزارعين.

وفي مدينة ميديلين، كولومبيا، تعمل المنظمة على توفير الدعم لمقطاعات نارينيو وأنتيكيا وبوياكا من أجل إقامة حدائق مجتمعية. ولقد استفادت أكثر من 7 500 أسرة من هذه الحدائق مما أتاح لها الفرصة لإنتاج الأغذية التي تحتاج إليها مع إمكانية بيع الفائض منها. وحقّق هذا المشروع نجاحًا باهرًا لدرجة أنّ كولومبيا تعمل حاليًا على إعداد مجموعة من المبادرات السياساتية والتشريعية والحكومية لتشجيع قيام خطط مشابهة على نطاق البلاد ككلّ.

إلى اليسار: مبادرات إعداد السماد العضوي يمكنها المساعدة في تغيير وجهة استخدام الأغذية المهدرة. ©لوميزو/شاترستوك. إلى اليمين: حديقة حضرية في هونولولو. ©اريك برودر فان دايك/شاترستوك

2 - تشجيع الأنماط الغذائية الصحية

تتأثّر أساليب الحياة والأنماط الغذائية بشدّة بأنواع الأغذية المتاحة وإمكانية الحصول عليها. وفي المدن التي تتاح فيها خيارات واسعة من الوجبات السريعة والخيارات المريحة، غالبًا ما تكون الأغذية المتاحة كثيفة الطاقة وعالية التجهيز. وهذا النمط مرشح للارتفاع. أما في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، فقد ازداد استهلاك الأغذية المجهزة ذات القيمة التغذوية بنسبة 5.45 في المائة سنويًا بين عامي 1998 و2012. وتعاني الحكومات الوطنية وإدارات المدن في البلدان النامية من مشكلة التعاطي مع سوء التغذية، خاصة في ظلّ تفاقم التأثيرات الصحية للسمنة التي تزداد بوتيرة مخيفة.  

غير أنّ جميع المدن قادرة على تأدية دور أكبر في توفير أنماط غذائية صحية بقدر أكبر. ففي عام 2014، عملت سنغافورة على تقييم مرافقها الغذائية وأطلقت برنامج وجبات العشاء الصحية. وشجّعت خطة لتقديم الإعانات للعاملين في مجال الأغذية على استخدام مكونات صحية أكثر على غرار الزيوت التي يتدنّى فيها محتوى الدهون المشبعة، إضافة إلى إدراج أطباق ذات سعرات حرارية أقلّ على لوائح الطعام. وفي غضون سنة واحدة فقط، ارتفع عدد خيارات الوجبات الصحية بمقدار الضعف.

3-   خفض المهدر من الأغذية وإدارته

يستهلك سكان المناطق الحضرية نسبة تصل إلى 70 في المائة من الإمدادات الغذائية في العالم، لكنّ قسمًا كبيرًا منها يُهدر في نهاية المطاف. ومن المتوقع أن يرتفع المهدر من الأغذية في المناطق الحضرية على مستوى البيع بالتجزئة والمستهلك بنسبة 35 في المائة ما بين عامي 2007 و2025. ومع أنّ أسباب هدر الأغذية تتراوح بين منطقة وأخرى من العالم، يساهم عادة ضعف التخطيط الغذائي وعدم ملاءمة التوضيب والتخزين والممارسات الثقافية في حدوث هذه المشكلة.

وعلاوة على ذلك، تتراكم كميات الأغذية المهدرة التي لا يُعاد تدويرها أو استخدامها. فتتحلل وتُنتج غاز الميثان وهو نوع من أنواع غازات الدفيئة أشدّ ضررًا بكوكبنا من ثاني أكسيد الكربون. ولا ينطوي هذا السيناريو على هدر الأغذية فحسب بل أيضًا على هدر للطاقة والمال والموارد الطبيعية على غرار الأراضي والمياه المستخدمة في إنتاج الأغذية وتجهيزها. ومن شأن التدابير المتخذة على نطاق المدن لاستعادة الأغذية الآمنة والمغذية وإعادة توزيعها من خلال الجمعيات الخيرية وبنوك الأغذية والتسميد العضوي للأغذية المهدرة أو استخدامها لتوليد الطاقة أن تُحدث جميعًا فارقًا هائلاً للحدّ من هدر الأغذية.

وفي بلدية مدينة ليما في بيرو، ساعدت المنظمة على تشكيل مجموعة استشارية للتواصل بشأن الأغذية تُعنى بمسائل الفاقد والمهدر من الأغذية. وتمثلت إحدى المبادرات التي أطلقتها المجموعة في إنشاء فريق مهام معني بالأغذية في المدينة عمل بدوره على إنشاء مركز تسميد لإدارة النفايات البيولوجية. ونتيجة لذلك، تم خفض كمية النفايات العضوية في المكبّات ونظام الصرف في المدن تخفيضًا ملحوظًا. 

يتسم توفير الأغذية الطازجة والمحلية في المدن بأهمية حاسمة لتوفير أنماط غذائية صحية. ©ماتيج كاستيليتش/شاترستوك

4-   إعطاء دفعة للمساحات الخضراء من أجل بيئات صحية أكثر وأساليب عيش محسّنة

تتقلّص تدريجيًا المساحات الخضراء في ظلّ التوسع المستمر للمناطق الحضرية. فالأشجار والمساحات الخضراء، إضافة إلى جاذبيتها الجمالية، أساسية لتحسين نوعية الهواء وخفض درجات الحرارة في المدن والتشجيع على ممارسة النشاط البدني وتحسين الصحة بشكل عام. ومن شأن تلوث الهواء وارتفاع درجات الحرارة المحلية وأساليب العيش الخالية من الحركة أن تزيد من احتمال الإصابة بأمراض شرايين القلب والجهاز التنفسي والسمنة وأن تفاقم انتشار العوامل الممرضة المستجدة.  

ولا بد من وضع خطط للنظم الغذائية وأن تترافق إدارتها مع إتاحة بيئة خضراء للحد من التلوث والتشجيع على اتباع أنماط غذائية صحية وعلى ممارسة النشاط البدني. ففي مدينة لوس أنجيلوس على سبيل المثال، تبيّن للباحثين أنّه كلما زاد عدد الحدائق الموجودة ضمن قُطر 500 متر من مكان إقامة طفل ما، كلما تراجع مؤشر كتلة الجسم الخاص بذلك الطفل عند بلوغه 18 عامًا.

5-   إعادة ربط المدن بالمناطق الريفية المحيطة بها  

إنّ المدن والمناطق الحضرية لا تعمل بمعزل عن المناطق الريفية. فهي في الواقع تعتمد إلى حد كبير على المناطق الريفية المحيطة بها. وتعوّل المدن بشدّة على المناطق الريفية المجاورة من أجل الأغذية والقوة العاملة وإمدادات المياه والتخلص من النفايات الغذائية. وفي مدينة كيسومو في كينيا، تتبع المجموعة الاستشارية للتواصل بشأن الأغذية، وهي منصة تجمع أصحاب المصلحة من الجهات الفاعلة في المناطق الحضرية والريفية، نهجًا أوسع نطاقًا لإعادة ربط المدينة بالمنطقة الأوسع نطاقًا من أجل عملية التخطيط لنظامها الغذائي. ويساعد هذا في توفير أغذية صحية وآمنة ومغذية بموازاة زيادة فرص الوصول إلى الأسواق للمزارعين الريفيين وخلق فرص للعمل ضمن النظام الغذائي.

وغالبًا ما يُقال إنّ معركة تحقيق أهداف التنمية المستدامة سوف تُحسم في المدن، وهو السبب وراء أهمية الهدف 11 من أهداف التنمية المستدامة - جعل المدن والمستوطنات البشرية شاملة للجميع وآمنة ومستدامة. وتساعد خطة عمل منظمة الأغذية الزراعة للأغذية في المناطق الحضرية الحكومات والمؤسسات على كسر حلقة الهوة القائمة بين المناطق الحضرية والريفية وتشجيع ذهنية النظام الغذائي المستدام. وبهذا الصدد، تعقد المنظمة دورة تدريبية خلال الدورة العاشرة من المنتدى الحضري العالمي في أبو ظبي يوم 12 فبراير/شباط للتشديد على أهمية استحداث عملية التخطيط للنظم الغذائية في السياقات الخاصة بالمناطق الحضرية والمدنية. فإذا ما نجحنا في ذلك وواصلنا السعي إلى الابتكار في المناطق الحضرية بطرق مدروسة ومستحدثة، سنكون واثقين من عدم ترك أي أحد ولا أي مكان خلف الركب.


للمزيد من المعلومات

المطبوع:إطار خطة عمل منظمة الأغذية والزراعة حول الغذاء في المناطق الحضرية

الموقع الإلكتروني: النظم الغذائية

قصة: إعادة التفكير في مستقبل المدن

2. Zero hunger, 3. Good health and well-being, 11. Sustainable cities